في مساء عادي من أمسيات الأردن، جلست وحيداً أمام شاشتي لأشاهد فيلماً صينياً جديداً. لم أكن أعلم أن هذا الفيلم سيُعيد رسم مسار حياتي.
قبل الفيلم
كنت في المرحلة الثانوية حين وقعت في هوى اللغات. قبل ذلك، كانت التكنولوجيا حبّي الأوّل — الشاشات، البرمجيات، الأنظمة، وكل ما يحرّكها في الخفاء. ثم دخلت الصينية حياتي فجأة، فوقعت في هواها منذ اللحظة الأولى. تعلّمت أن هذي اللغة العجيبة، ذات الرموز التي تبدو للعين الغريبة كأنها لوحات فنية، تحمل عمقاً لم أختبره في أي لغة قبلها.
لكن كان في داخلي شيء آخر لم أعرف كيف أعبّر عنه: كنت كلّما التقيت بشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، تنبع في داخلي ابتسامة صادقة. أحبّ الجلوس بجوارهم دون سبب. شيء ما في حضورهم كان يشعرني بالسكينة، وكأنني في مكاني الطبيعي.
لقاء عابر مع فيلم
جاء اسم الفيلم عن طريق الصدفة. فيلم صيني صدر عام ٢٠٢٥، عنوانه Mumu — أو بالصينية: 不说话的爱 (الحبّ الصامت).
المخرج: Sha Mo (沙漠)
البطولة: Zhang Yixing (张艺兴)
القصة: أب أصم يُدعى Ma Da يربّي ابنته الصغيرة Mumu وحيداً. حين تعود الأم فجأة تطالب بالحضانة، يخوض معركة قانونية وعاطفية للاحتفاظ بابنته. تكبر Mumu لاحقاً لتصبح مترجمة لغة إشارة — كأنها تردّ لأبيها بعد سنوات ما فعله لها.
في مشهد بعينه — لن أُفسد لك متعة اكتشافه — يحدث شيء عميق. ينسحب الصوت من الفيلم، ونحن نُشاهد الأب يتحدّث بلغته الصامتة. ندخل عالمه من الداخل، ونعيش لحظات من صمته الحقيقي. لا موسيقى، لا حوار — فقط أيدٍ تتحرّك، وعينان تتكلّمان.
لحظة التحوّل
خرجت من الفيلم لا أستطيع النوم. الفكرة كانت تدور في رأسي مثل نور مشعّ لا يخفت:
حبّي الأوّل (التكنولوجيا)، وشغفي بالصينية، وقربي الفطري من ذوي الاحتياجات الخاصة... يمكن أن يلتقوا كلّهم في مكان واحد.
لم أنتظر حتى الصباح. فتحت هاتفي وبدأت أبحث عن دورات لغة الإشارة الصينية (中国手语). قرّرت في تلك الليلة أن أكسر الحاجز بين هذه العوالم التي جمعتها بداخلي، وأبنيها على أرض الواقع، لا في خيالي فقط.
حيث أنا الآن
اليوم، وأنا في السنة الثالثة من دراستي الجامعية، وصلت في لغة الإشارة الصينية إلى المستوى الثالث. أضع بنية بحثية ستحملني — إن شاء الله — من الأردن إلى جامعة بكين (北京大学)، حيث أطمح لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه، تحت إشراف الدكتورة Qi Su (苏祺) في مركز الدراسات الرقمية الإنسانية.
كل فيلم مشابه شاهدته لاحقاً كان يُذكّرني أن رسالتي واضحة: أن أبني جسراً بين ثلاث لغات (العربية، الصينية، لغة الإشارة الأردنية) لخدمة المتعلّمين الصم. جسراً لم يُبنَ بعد. ينتظر يديّ.
خاتمة
من كان يظن أن فيلماً واحداً — قصّة أب وابنته — يمكن أن يوجّهك نحو مصيرك؟
كنت أُؤمن بذلك دائماً. لكنّي الآن أعيشه.